صحوة الكرة الألمانية.. مقارنة بين حالة الكرة الألمانية في العقد الماضي والوقت الحاضر

بايرن ودورتموند

بايرن ودورتموند

تميز العقد الماضي بسيطرة الكرة الإنجليزية والإسبانية على رياضة كرة القدم، عقد من الزمان يعتبر وقتا طويلا بالنسبة لهذه اللعبة، لكن موازاة مع ذلك شهدنا صعودا تدريجيا للكرة الألمانية، ونحن قد نشهد بزوغ فجر جديد يعيد عصر الهيمنة الألمانية على كرة القدم العالمية، سواء في منافسات كأس العالم أو المسابقات الأوروبية، لقد رأينا ظهور لاعب ألماني جديد، ونمطا مختلفا من كرة القدم القادمة من ألمانيا، ممزوج بالكفاءة والنجاعة والكفاءة التكتيكية التي أعدّ بها، لقد قطفت ألمانيا ثمار إعداد لاعبي كرة القدم في الأكاديميات المنتشرة في كامل أنحاء البلد التي اشتغلت كثيرا بتطوير الفئة الشبّانية، والمدربين وكذا الفرق، المقال التالي يتناول هذه النقطة بالتحديد، و أيضا بداية سيطرة الكرة الألمــــانية التي احتاجت عقدا من الزمن لبناء نفسها، فالأعوام الماضية شهدت نهضة كروية حديثة، جعلت الآخرين في قلق كبير.

بعض نقائص ومشاكل الكرة الألمانية خلال العقد الماضي
اهتم المدربون الألمان في الماضي كثيرا بالجانب البدني والعمل الجماعي، والإبداع التكتيكي لتعويض الجانب الفني والتقني الذي يتمثل في الفنيات العالية والفرديات التي كانت غائبة، فقاموا بتغليب الصرامة والانضباط التكتيكي الخالي طبعا من أية اعتبارات إبداعية. لقد حـــاولوا دمج خبرات و ثقافات المدارس الأخــــرى كالمدرسة اليوغسلافية و الرومانية و الروسية فمعظم التعاقدات اقتصرت على لاعبي أوروبا الشرقية كلاعبي صربيا و رومانيا و بلغاريا و ألبانيا و بولونيا و جورجيا و الجبل الأسود، صحيح تعاقدوا مع بعض لاعبي أمريكا الجنــــــوبية خاصة من البرازيل لكن لم يكونوا من نجوم الدرجة الأولي، استنادا لقول اللاعب الأسطورة “إلبيــر” : “في السابق الأندية الألمانية تجـــــد صعوبة بالغة في التعاقد مع لاعبي أمريكا الجنــــوبية نضرا لعدم اهتمامهم بالكرة الألمانية التي يعتبرونها غريبة و مملة فقرروا الذهاب إلى البرتغال أو اسبانيا أو ايطاليا أو فرنسا أما بعد كأس العالم 2006 فقد تحسنت الأوضاع فكل اللاعبين يحصلون علي رواتبهم بصفة منظمة وفي الوقت المحدد، عكس الدوريات الأخرى”. وصرح القيصر بهذا الخصوص أيضا: ” لم أفهم ســــر عــــزوف النجوم في الالتحاق بدورينا؟” لذا لم يستفـــد الشبان منهم لكي يتطـــــور مثلا كالدوري الإنجليزي الممتاز”.

فشلت المدرسة الألمانية في خفض إن لم نقل التخلص نهائيا من اللياقة البدنية الهائلة التي تعيق اللاعبين من تأدية مهامهم داخل أرضية الميدان كالمراوغات و الاحتفاظ بالكــــــرة كثيرا كذلك لا يستطيعون التخلص من الأماكن و الأوقات الصعبة بالاحتفاظ السليم بالكرة و نقلها تدريجيا حيث يضيعون الكرة أو تمريرها مرغمين كثنائية لزميل، مشاكل في الدوران السريع ،عكس الكرة الإنجليزية التي اهتمت بالجانب البدني إلي جانب صقل مواهبهم الشابة بالفنيات الضرورية لمقارعة الإسبان والإيطاليين والأرجنتينيين والبرازيليين ذوي المهارات الفردية الهائلة…

كانت خصائص اللاعب الألماني هي الأسلوب الأولمبي (أسلوب الركض والعدو) لا التقنيات واعتماده على البراعة التكتيكية لا الإبداع والتألق وأستثني في هذا لاعبين أمثال الهدافين “أوفي زيلير” و “يورغن كلينسمان” والمنتخب الألماني افتقد إلى لاعبين مهاريين قادرين على قيادة الفريق، وإخراجه من الوضعيات التي تحتاج إلى المجهــــود الفردي، حيث تميزت الكـــــــرة الألمانية في الماضي بالأداء الهجـــــومي الخالص، والاعتماد على القوة البدنية، والاندفاع والصراعات الفردية، واستعمال الأجنحة الدفاعية كأوراق هجومية، فكل الفرق كان تملك ظهيرين أيمن وأيسر على المستوى العالمي، مما أدّى إلى عقبة أخرى تتمثل في عدم اعتياد الفرق الألمــــــانية على مجابهة الفرق المعتمدة على الفنيات كفرق اسبانيا وايطاليا وانجلترا وحتى روسيا، أي عندما تتحكــــــم هذه الفرق في الكرة تجـــــد فرق الدوري الألماني صعـــــوبة كبيرة في استرجاعها نظرا لعدم اعتمادهم على التقنيات كما ذكرت سالفا، و أيضا عدم مقدرتها على التصدي للضغط العالي الذي يحدثه المنافسون لافتكاك الكرة من المدافعين.

عندما يحضر أي ناد ألماني الخطة الهجــــــومية يتناسى الجانب الدفاعي مرغما، بسبب ثقل اللاعبين، فراغات في الدفاع، سوء المراقبة عدم الضغط على مدافعي الخصم، الدوري الألماني كان في السابق يتميز بكثرة الأهداف فهذا يمكن اعتباره عاملا سلبيا عائد إلى ضعف المنظومة الدفاعية لدى معظم الفــــــرق، المدافعون الكلاسيكيون يعمدون إلى تهدئة اللعب، و عدم إثارة الخصم خاصة خلال المشاركة أوروبيا، لأنهم يدركون مؤهلاتهم الحقيقة التي تبقى ناقصة فنيا لإسقاط الفرق القوية، فهم لا يحبذون الضغط الشديد الذي يؤدي إلي فقدانهم الكرة بشكل سريع، مثلثهم الدفاعي لا يتعدى %180ليس كاللاعبين اللاتينيين الذين يجيدون التغطية المثلى، نستطيع الحكم على قوة فريق ما، بمعاينة أسلوبه الدفاعي الذي بقى ضعيفا لدى فرق ألمانيا مدة طويلة من الزمن.

خلال الأعوام الماضية أقدمت المدرسة الألمانية على إنشاء ما يسمى اللعب السلبي، المتمثل في تجنب الصراعات الفردية قدر المستطاع، و عدم الاحتكاك بالخصم و تهدئة اللعب و عدم إثارته، وهذا باللعب المفتــــوح والذي أثبت عدم فاعليته، و الذي يرتكـــــز بالأساس ببناء الهجمات المركـــــزة، مع الاعتماد المفــــرط على خطة التسلل، و تجنب الإلتحامات أو التدخلات الخشنة، و استعمــــال التقاطعات الثنائية و الثلاثية و محاولة افتكاك الكرة بانخفاض الجسم وتـــــوضيف الجهد البدني و حـــــرق الطاقة الجسدية بصفة منتظمة و عدم التمــــــادي في إهدارها.
كــــرة القدم الألمانية عانت نكسة في الماضي، فاللاعبون السابقون الذين أصبحوا مدربين لم يستطيعـــــوا عمل أي شيء، نظرا لغياب اللاعبين الموهوبين، و كذا فقدانهم وارتباطهم مرغمين بالمدرسة الكلاسيكية وصعــــوبة اللحاق بمستوى الدوريات الأخــــرى، فالكــــــرة الأوروبية استطاعت الامتزاج بالثقافة الأمريكولاتينية، و الاعتياد على اللاعبين المهاريين، بدرجات متفاوتة و مختلفة، فاللاعبون المنتمــــون إلى بلدان البحر الأبيض المتوسط و شرق أوروبا خاصة الإسبان لم يجدوا صعوبات معهم، و العكس حدث مع بلدان وسط و شمال أوروبا، من بينها ألمانيا والنمسا، ولهذا السبب تتدخل التأثيرات الطبيعية، والمناخية و اللغوية وحتى الظروف المعيشية على الثقافة الكروية المتواجدة في كل بلـــــد.

بداية الإصلاحات تمت بإنشاء الأكاديميات
لكن إذا عدنا قليلا إلى الوراء وبالتحديد في عام 2000، وبعد خروج دراماتيكي من مسابقة كأس أوروبا وبتشكيلة عاجزة، قرر الاتحاد الألماني القيام بتغيرات جذرية، وبمناقشة المشاكل التي تعاني منها كرة القدم في البلد. لقد نظروا إلى الأسباب التي أدت إلى هذا الإخفاق المخزي، وكلّهم اعتبروا أنّ المنتخب لا يملك لاعبين شبابا بمواهب ومهارات عالية، لكن ما الذي أقدموا عليه لصنع منتخب قوي، وبفرق محلية تنافس كل عام على المسابقات الأوروبية؟

تمّ زيادة الاستثمار في تنمية الشباب في الأكاديميات الرياضية، يتضمن فلسفة جديدة تتمثل في تحسين المرافق الرياضية، وتحديث وسائل التدريب. مبادئ وجهت لكل الفرق الألمانية لـزيادة العمل في التكوين، وتطوير اللاعبين. وأبلغ الجميع أن ألمانيا يجب أن تنتج لاعبين ذوي نوعية أفضل. فخلال هذه السنوات نفذت الكرة الألمانية تلك المبادئ التوجيهية، وسعت إلى القيام بالتحسينات في مختلف أنحاء البلــــد، لقد تم بناء 121 مركزا للمواهب لـمساعدة الفئات الصغرى من سن 10 إلى 17 بالتقنيات التدريبية، وكل مركز يوظف مدربين اثنين بصفة دائمة، استثمارات كبيرة ولكنها ضرورية، كل الفرق المحترفة البالغ عددها 36 فريق تملك أكاديميات خاصة بها. ولعل أهم تغيير حدث هو التأكيد على أن كل 12 لاعبا من كل أكاديمية جديدة يجب أن يكون مؤهلا للعب للمنتخب الألماني، فالإحصائيات أثبتت أنّ الدوري الألماني يفتقر إلى وفرة اللاعبين المحليين، فخلال الموسم الرياضي 2003/2004 تواجد 44 % من لاعبين أجانب، أمّا الآن فـبلغ 38 %، مما يفسر تواجد 62 % منهم قادرون على اللعب لصالح المنتخب الألماني، هذا النموذج الحديث يمكن الشباب الألماني للعب أكثر، ويزيد من فرصهم في اكتساب الخبرة الضرورية للتطور.

في مسابقة اليورو تحت سن 21 عام 2009، أظهر المنتخب الألماني للعالم أنّ هذه الإصلاحات أتت بثمارها، ففي المباراة النهائية اكتسح نظيره الإنجليزي لـ أربعة أهداف مقابل صفر. مرة أخرى إنجلترا تعرضت لهزيمة تاريخية من طرف نفس المنتخب في مسابقة كأس العالم بجنوب إفريقيا بنتيجة أربعة مقابل هدف وحيد، عن طريق الهجمات المرتدة السريعة، بشكل مركز وخاطف، وبرز في تلك المبارة مسعود أوزيل لاعب تحت 21 سنة، كانوا مرشحين بقوة للفوز بالكأس، لكن أقصوا مرة أخرى في النصف النهائي. لكن كان واضحا أنّ ألمانيا طورت لاعبين يمكنهم المنافسة على الألقاب في العقد القادم، وأيضا فرقا على المستوى العالي قادرة على الفوز بكأس رابطة الأبطال الأوروبية.

الأزمة الاقتصادية وقانـــــون %50+1
أهمية هذه الفقرة هي التعريف بالانضباط الإداري والاحترافية غير المسبوق، في مجال إدارة النوادي والهيئات الرياضية المشرفة على الدوري الألماني وكذا الوضعية المالية والتقدم الاقتصادي لكل نادي. باستعمال المعطيات والبيانات اللازمة سنجد أن الأندية الألمانية ممتازة اقتصاديا، وأكد خبير رياضي متخصص في عمليات التمويل والرعاية لكرة القدم أن الأزمة المالية العالمية لم تؤثر سلبًا على كرة القدم في ألمانيا، وإنما العكس؛ نظرا لاهتمام أفضل المحترفين بالانضمام للأندية الألمانية. وقال هارتموت تساتروف لصحيفة “تاجس شبيجل” التي تصدر الاثنين إن الأندية تسدد المستحقات المالية في مواعيدها أول كل شهر، وهو ما يشجع كبار لاعبي كرة القدم على الانتقال لألمانيا، وبذلك يرتفع أيضًا مستوى الأداء وأضاف الخبير “محترف كرة القدم سيفضِّل الانتقال لناد ألماني ليس لديه مشاكل مالية عن الانتقال لناد إسباني له اسم وسمعة ولكنه مهتز ماليًا”. وأعرب الخبير عن ثقته في ارتفاع الإقبال على كرة القدم في ألمانيا لنجاح النظام التسويقي، والراحة التي يجدها المتفرج في الملاعب الرياضية، وزيادة استعداد الجهات الراعية للاستفادة من الساحرة المستديرة. وخلال مقابلة صحفية ألمانية أكد رئيس البايرن رومينيغي أن عددا من الأندية الإسبانية والإيطالية تعاني مشاكل مالية، وأضاف أن أندية ألمانيا وفرنسا هما الوحيدتان المستقرتان ماليا، أما الحديث عن حقوق البث فلا مجال للمقارنة بينها وبين الدوريات الأخرى فكل نادي يتحصل على 28% بالتساوي. هذا فضلا عن نجاعة قانـــــون %50+1 الذي يعزوا إلى القوانين والإجراءات التي تمنع الفرد من امتلاك أكثر من 49%، فكل الفرق عامة يرأسها قدماء اللاعبين، هذا ما سمح لألمانيا للمشاركة والمنافسة أوروبيا بدون منح وبيع نواديها لرجال الأعمال الذي لا يفقهون شيئا عن الكرة، كما حدث في انجلتـــــرا، واسبانيا وإيطاليا، هذا الأمــــر لا يمكن أبدا أن يحدث في ألمانيا نظرا لتغليب عنصر الرياضة على عنصر المال.
تبقى النقطة السوداء هي الوضعية المالية لنوادي ألمانيا الشرقية التي تعيش أسوء أعوامها بعد الاتحاد مع الفدرالية الغربية لكرة القدم. لا وجود لأي نادي مشارك في الدرجة الأولى، وعلى نحو لافت للنظــــر الدرجة الثانية تملك ثلاثة فرق فقط “إنرجي كوتبوس”، الهابط مؤخرا، القريب من الأراضي البولونية، وكذلك هانزا روستوك من التلال البلطيقية ويونيون برلين أما عملاقا الكرة الشرقية “لايبزيغ” (يملك ملعبا من فئة الخمسة نجــــوم) و “شمنيتز” متواجدان في أعماق الدرجات الأدنى، والأسباب الجلية الوضوح هي غياب الأموال، فبالرغم من تحسن مدخول الأندية مؤخرا، لكن تبقى بعيدة كل البعد عن ميزانيات أندية ألمانيا الغربية. ويرى اللاعب السابق لفريق هانزا “ماركو ريهمير” أن الأندية تعاني من مشاكل نقص التمويل نظرا لعدم امتلاكها لا السبونسور المشترك ولا القروض الضرورية، كذلك معاناتها من التهميش والاحتقار، مثلا ميزانية نادي “كوتبوس” لا تتعدى 10% من ميزانية بايرن ميونخ.

صعود قطبي الكرة الألمانية
هذا الاستثمار في تنمية وتطوير اللاعبين لم يساعد في تكوين منتخب قوي فقط، لكن دفع بفرق كدورتموند والبايرن لصعود القمة مجددا، وهما الفريقان الأكثر امتيازا في ألمانيا، في السنوات القليلة الماضية شاهدنا دورتموند يقدم مستويات عالمية وضعته في المراتب العليا من خيرة فرق أوروبا، تحت قيادة المدرب الشاب كلوب استطاع دورتموند أن يلعب كرة عصرية تعتمد على السلاسة والسرعة في اللعب. أما العملاق البفاري فوصل في ثلاث مناسبات إلى نهائيات دوري أبطال أوروبا في السنوات الأربع الماضية، خسر في مناسبتين، وتوج العام الماضي بقيادة المدرب المحنك “هايكنز”، وقد أظهر بايرن تقدما حقيقيا في السنوات القليلة الماضية، منذ إشراف “لويس فان غال” للفريق.
أقدم البايرن على اتّخاذ قرار مهم وهو يتعلق بتعيين “ماتياس زامر” مديرا رياضيا، ومسؤولا حول التعاقدات مع اللاعبين، كان زامر مديرا تقنيا للفدرالية الألمانية، ولعب دورا مهما في مشروع تطوير اللاعبين الشباب، له المقدرة في تحسين المهارات، وله معرفة كبيرة في مجال التدريب والإدارة. ونلمس هذا من خلال مساهمته الفعالة في تحقيق البايرن للثلاثية التاريخية الموسم الماضي، وسيشكل ثنائيا مع المدرب الإسباني غوار ديولا لأخذ البايرن إلى مراحل متقدمة، يقدم البايرن ودورتموند وليفركوزن وكافة الفرق الألمانية كرة قدم عصرية تعتمد على المزج بين المهارات الفردية واللعب الجماعي ككتلة واحدة، واللعب بسرعة كبيرة وتنويعه، الفرق الآن بلغت درجة كبيرة من النضج التكتيكي يؤهلها لاعتلاء منصات التتويج وتقديم الأفضل من أجل كرة قدم عصرية ومتطورة.

تقديم وتحليل: بجوجو يزيد، كاتب وباحث في شؤون كرة القدم الأوروبية

اترك تعليقاً