بروسيا دورتموند والتحديات الصعبة التي تواجه مشروع المدرب “كلوب”

جدول هدافي الدوري الألماني جدول ترتيب الدوري الألماني
ماركو رويس وأوباميانغ

ماركو رويس وأوباميانغ

يتضمن المقال تحليلا في أسلوب لعب الفريق، والنهضة الكروية التي ابتدعها المدرب الألماني “كلوب” 

في الموسم الماضي، كان بروسيا دورتموند الفريق الأكثر إمتاعا وسحرا من بين كل الفرق المشاركة في دوري رابطة الأبطال الأوروبية، وكان قريبا جدا من إحراز اللقب. لولا نقص الخبرة وقوة المنافس البافاري. الشيء الذي أدهش كل المتتبعين لشؤون الكرة المستديرة هو مقدرة مدرب الفريق الشاب “يورغن كلوب” من تطوير فريق قوي في غضون سنوات قليلة، أنشأ مشروعا أصبح حديث الصحف الرياضية بأكملها، مشروح احترافي ألهم بها الرياضيين وكل النوادي الأوروبية الراغبة في التألق والنجاح. لكن السؤال التي تبادر في ذهن الكثيرين، هو مدى إمكانية استمــرار هذا المشروع؟ فرغم احتلال دورتموند المركز الثاني وراء بايرن ميونخ بفارق نقطة وحيدة، والثاني في مجموعته بدوري الأبطال بتساوي النقاط مع نابولي الإيطالي وأرسنال اللندني، لكن ظهر بشكل جليّ أنّ المدرب كلوب لم يستطع أن يحسّن ويقدم نفس الأداء كما السنة المنصرمة، لكن هل هو قادر على الوصول إلى نفس القمة مجددا؟

سياسة النادي المثمرة والإزعاج المستمر من النوادي الثرية

كانت سياسة النادي في السنوات الأخيرة وذلك بدأ من إفلاسه عام 2002 الاستثمار في عنصر الشباب، وتطوير مهارات الفئات الشبّانية، والقيام بعد ذلك بإبراز المواهب في الفريق الأول، قام النادي بما يجب القيام به في كرة القدم الحديثة، “التنمية الرياضية” في عنصر الشباب فلاعبون أمثال: شاهين، وشنجي كاغاوا، لوفاندوفسكي، بيشتشيك، كوبا، هاملز، سوبوتيتش، جوندوجان وجوتزه، قد برزوا بعد عناية من المدرب كلوب وبدون أيّ شك أصبح من أبرز المدربين في أوروبا وأكثرهم نجاحا في تحفيز الرياضيين بشكل عام، هو يمجد تنمية الشخصية القوية والاحتراف والتصميم و العزيمة والعمل الشاق، نموذجه سهل لكن فعال جدا.

مع ارتفاع مستوى أداء فريق دورتموند الكروي ووصوله إلى القمة، أخذ في جذب أنظار بعض الفرق الأوروبية الغنية التي تريد استقطاب نجوم الفريق بأيّ ثمن، الفريق خسر اللاعب شاهين باريوس، كاغاوا، المفاتيح الأصلية للتشكيلة، شكل الأمر مصدر قلق كبير، لكن المدرب العبقري كلوب تمكن بامتياز من تبديلهم بـ جوندوجان ، ريوس ، جوتزه و لوفاندوفسكي، كان تغييرا سلسا أخذ الفريق إلى الأمام خطوات بعيدة، التساؤل المهم هو: ما الذي سيحدث إن خسر الفريق لاعبا آخر مثل لوفاندوفسكي؟ الذي يعد من أفضل المهاجمين على الساحة الأوروبية، هذه هي المعضلة التي تنتظر دورتموند مستقبلا، فهل هو مستعد مجددا أن يخسر لاعبا آخر مهما بعد أن افتقد إلى جوهرة الفريق “جوتزه”؟

كان رحيل جوتزه عن الفريق صدمة كبيرة هزت أركان النادي، أصاب كل المشجعين بالذهول خاصة بعد انتقاله إلى الفريق الغريم التقليدي بايرن ميونخ خلال توقيت حساس، هو قبل مواجهة ريال مدريد في النصف النهائي، الفريق لم يخسر لاعبه المبدع فقط، بل خسر جزء من روح الفريق، كان نتاج أكاديمية دورتموند، الركيزة التي مكنته من النجاح والتطور، إنّه “ميسي” الفريق، لاعب يرتكز ويدور أداء الفريق كله حوله. ايجاد لاعب مثله أمر صعب جدا، من يستطيع أن يملأ الفراغ العاطفي الذي تركه؟ هذا هو المشكل الآن، قدوم لاعبين لامعين هما هنريخ مخيتاريان و بيير إيميريك أوباميانغ يعتبر تعاقدات جيدة، الأول يوفر الإبداع و القدرة على صناعة اللعب، أمّا الآخر يجلب السرعة القصوى و القوة البدنية التي تزعج المنافسين، و ترعب مدافعيهم، أسلوب يناسب طريقة “Gegenpressing”أو “تضاد الضغط” التي ينتهجها دورتموند.

طريقة لعب “تضاد الضّغط” التي استعملها كلوب، والاستعانة بالكرة المبرمجة في التدريبات 
الفريق الأصفر ومدربه يورجن كلوب ذو الشخصية الكاريزمية لديهم نهج ينعش كرة القدم ويطورها إلى الأحسن، ويجعل المشاهدين يتأملون جيدا لأخذ ملاحظات دقيقة حول هذه التغييرات، لقد أصبح فجأة أكثر فريق يتحدث عنه التقنيون الرياضيون والمهتمون بتطوير أسلوب اللعبة، فشعبية دورتموند الحالية تدين بالكثير لأسلوبهم الممتع والفائق السرعة، منذ أصبح هذا الشاب مدربا عام 2008، قادما من فريق “ماينز” تميز أسلوبه بالشجاعة والابتكار في شؤون الإدارة الفنية، مستخدما طريقة فريدة من نوعها في أسلوب التدريب، تتضمن تكنولوجيا حديثة ونمط كرة قدم تختلف عن المدربين الآخرين، الخطّة التي ينتهجها يمكن القول أنّها الأكثر تسلية في أوروبا في الوقت الحالي، يلتزم كلوب نمط أسلوب اللعب السريع، و السلاسة في التحرك، دورتموند يجهد كثيرا ويضغط على الخصوم عاليا في مناطقهم الدفاعية، فرغم أنّ أسلوب تمريرات اللاعبين يشبه كثيرا أسلوب فريق برشلونة الإسباني، إلا أنّهم يضغطون ويهاجمون أكثر سرعة من الفريق الكتالوني، الذي أولويته الأساسية تبقى الاحتفاظ والاستحواذ على الكرة أكبر وقت ممكن و بناء الهجمات بطريقة أكثر مقاسا. ويرى كلوب أن أسلوب اللعب المفتوح والمثير، وكرة القدم الهجومية هو ما يريده المشجعون المخلصون لـدورتموند وهذا ما يستحقونه، هذه الرؤية الإيجابية تجاه كرة القدم والمشاهدين زادت من شعبية كلوب وفريقه في ألمانيا والعالم. ويظهر بوضوح في ارتفاع أعداد جماهير النادي التي بلغت أرقام قياسية في ملعب الفيستفالين التي بلغت حوالي 80 ألف متفرج، فهو يتأخر فقط قليلا عن برشلونة بنسبة ضئيلة.

يعمل دورتموند بلا كلل مع أو بدون الكرة ويضغط بسرعة ويغلق المساحات على الفرق المنافسة ويمنعها من استعادة الكرة، أسلوب لعبهم في السنة الماضية خير مثال على ذلك، سرعة التمرير والتحرك كل شيء يميّز اللاعب الموهوب “ريوس” لوضع لوفاندوفسكي القناص في موضع جيّد للتهديف. على الرغم من اشتهار كلوب بالالتزام بأسلوب اللعب الهجومي المفتوح، إلى أنّه دائما يستخدم الحيلة للإيقاع بالخصوم، وقد تجلت قدراته التكتيكية خلال مواجهة فريق ريال مدريد العام المنصرم، فقد سمح للفريق الملكي بالاستحواذ على الكرة، وفي نفس الوقت ضغط لاعبو دورتموند بشكل مقرب على لاعبين مدريد مثل تشابي ألونزو للحد من قدرته على التمرير وإيجاد مساحات لزملائه. كلوب ولاعبوه نجحوا في الحد من قدرة الخصم، وقللوا من خطورة النجم كريستيانو رونالدو. تلاها بعد ذلك تألق مذهل ضد الفريق الأكراني “شخطار دونيتسك” وتأهل جنوني في الوقت بدل الضائع ضد فريق “ملاغا”.

بالإضافة إلى الفطنة الفنية والتكتيكية للمدرب كلوب، فقد يكون هناك تفسير آخر لهذا للتألق، العام الماضي أدمج الفريق في تدريباته استخدام كرة عالية التقدم تكنولوجيا تدعى Footbonaut كوسيلة لتحسين ردود أفعال اللاعبين وتطوير الجوانب التقنية المهمّة مثل السيطرة على الكرة، والوعي بالمكان والرؤية المحيطية، هذا هو عمل الكرة المبرمجة بإيجاز: هناك لاعب يقف في دائرة في وسط 14 متر مربع فوق أرضية عشب اصطناعي، تطلق كرات عليه على ارتفاعات و سرعات مختلفة بكرات مبرمجة، اللاعب عليه اتخاذ قرارات في جزء من الثانية للسيطرة على الكرة و ركلها مباشرة على واحدة من 64 أهدافا أو ألواح مخصصة لذلك، التي تضيء شعلات للإشارة إلى اين ينبغي أن يسدد اللاعب .

وقد وصفت Footbonaut أو الكرة المبرمجة بالتدريب الحاد المكثف الذي لا يمكن القيام به أو تكراره في بيئة التدريب العادي، فـوفقا لمصمم هذه التكنولوجيا الحديثة الألماني كريستيان غوتلـــر فإن 15 دقيقة من استعمال الجهاز تعادل أسبوعا كاملا من التدريب العادي، فاللاعب يمرر ويستقبل كثيرا من الكرات التي يمكن له فعل ذلك في أسبوع ، أما أداء اللاعبين والتنمية فيمكن رصدها عن كثب مع البيانات التي يشير إليها الجهاز الذي تم الاستعانة به منذ مارس 2012، كما تم استخدامه أيضا للمساعدة في عملية إعادة تأهيل اللاعبين المصابين.

هذه التكنولوجيا الحديثة تعكس مبادرة دورتموند وتطلعاته المستقبلية، وفي وقت سابق قال كلوب بكل فخر لصحيفة البايس الاسبانية أن دورتموند هو الفريق الوحيد في العالم الذي يستخدم هذه التكنولوجيا، هي تناسب تماما فلسفة كلوب للعب كرة القدم بسرعة ودقة شديدة، إنّه يطالب لاعبيه بالتفكير والتحرك في سرعة عالية وبقوة. وقال كلوب أيضا في مقابلة مع نفس الصحيفة الإسبانية: “نريد أن نكون سريعين جدا مع رؤوسنا وأرجلنا، كل شيء بأقصى سرعة ” كلوب أدرك بذكاء كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد اللاعبين في برمجة عقولهم للرد السريع، الغريزي، بنفس الطريقة التي يمكن بها اتقان فن قيادة السيارة أو العزف على البيانو.

يتوقع كثير من الناس أن بروسيا دورتموند بمقدوره إعادة نجاحات الموسم الماضي وتكرار أسلوب لعبه المبتكر حديثا، لكن بعد مشاهدته حاليا، نلاحظ تراجعا طفيفا في الأداء، الفريق عاد مجددا إلى انتهاج خطة 4-2-3-1، خسارة “جوتزه” أفقدت السلاسة التي قدمها الموسم الماضي مع ” ريوس” و “لوفاندوفسكي”، جوتزه أعطى كثيرا للفريق، و طور فنيات الهداف “ليفا” و “ريوس”، الفريق كان على وشك الاقتراب من “الكمال”، ومن وجهة نظر المختصين في كرة القدم، فإن اللاعب الألماني “جوتزه” أفضل صانع ألعاب في (كرة القدم الحديثة)، وتغيره أو إيجاد خليفة له أشبه بالمستحيل.

المنافسة المتنظرة بينه وبين غوارديولا
ربما أراد بايرن ميونخ التعاقد من “جوتزه” رغبة منه في تحسين أسلوب لعبهم، أم قرروا ذلك لانتزاع الروح من فريقهم الغريم، من الواضح أنّهم فعلوا كلا الأمرين، إنّه أمر لا يصدق أن يترك لاعب ناشئ من أكاديمية النادي الفريق بعد نجاح باهر، إنّه محزن لدورتموند، ربما المدرب “كلوب” هو المذنب الحقيقي في دفع نجمه إلى الرحيل إلى بايرن ميونخ والانضمام إلى المدرب بيب غوارديولا، فقد كان “كلوب” دائما يظهر للاعبيه لقطات وصورا لاحتفاليات لاعبي البارصا خلال تسجيلهم الأهداف، ويبين لهم أيضا مدى الاتحاد والتلاحم الذي يميز الفريق الكتالوني، استعمل التلاحم الموجود فيه كنموذج لفريقه الناشئ. لقد ساهمت هذه النظرة على تغيير أحلام اللاعبين، وجعلتهم يرغبون في العمل مع غوارديولا، المدرب “كلوب” مسؤول لدفع نجوم فريقه إلى الرغبة في الالتحاق بالبايرن.

مشروع كلوب
ما حدث فهو من الماضي، وعلى المدرب كلوب المضي قدما في مشروعه، الفريق عانى هذا الموسم من خروج جوتزه، والشائعات المستمرة التي تتحدث عن رحيل لوفاندوفسكي والإصابات التي لحقت بنجوم الفريق أمثال جوندوجان وبيشتشيك أعاقتهم أكثر، لكن الفريق يؤدي جيدا في دوري “البوندسليغا” ويبلي بلاء حسنا في مجموعته في دوري أبطال أوروبا. لكن ليس هذا هو الأداء الحقيقي الذي أبهر المشاهدين الموسم الماضي،.نعم إنهم يلعبون بشكل جيد و يفوزون لكن ليس بإقناع. هذا الأمر يجعل التحدي كبيرا لدورتموند هذا الموسم، ويزيد من فضول عشاق اللعبة، هذا هو الزمن الحقيقي الذي يمكن فيه الحكم على المدرب، ورؤية مزاياه ومواهبه، عليه الآن أن يتعامل مع النكسات والتغيرات قبل حدوث مزيد من الضغوط على ناديه. يراقب العالم الآن دورتموند عن كثب، وربما كان غضب كلوب إثر مقابلة نابولي ناجم على شدّة الضغط المفروض عليه، وعلى فريقه.

قال بأنّ مشروعه هو الأكثر إثارة في أوروبا، وهو صحيح في نقاط عديدة، لكن هل يتحول دورتموند إلى أرسنال جديد، مدرسة حديثة متطورة تصدر النجوم إلى النوادي الأخرى الغنية، تترك النادي غير قادر للمنافسة؟

أثبت كلوب أكثر من مرة أنّه قادر على إرجاع دورتموند إلى الأعلى، لكن التحدي الأهم هو إبقاء لاعبيه في مستواهم الحالي، و إبعاد أنظر النوادي الغنية المتطفلين على نجومه، لقد قام كلوب بعمل رائع، و فريق بروسيا دورتموند يعد من أفضل الأندية في أوروبا، لكن من المحزن أن روح الفريق جوتزه ، وجوهرته بعيد عن هذا المشروع المثير.

بجوجو يزيد، باحث ومهتم بشؤون كرة القدم الأوروبية.

اترك تعليقاً

Adblock Detected
Please consider supporting us by disabling your ad blocker